القرطبي
406
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
جانبي الجبلين . قالَ انْفُخُوا [ الكهف : 96 ] أي : أوقدوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً [ الكهف : 96 ، 97 ] أي : من تحته . وقال عبد الملك في قوله : أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [ الكهف : 96 ] يعني : نحاسا ليتلصق فأفرغه عليه ، فدخل بعضه في بعض ، قال : فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [ الكهف : 98 ] . وفي تفسير الحوفي أبي الحسن : أن ذا القرنين لما عاين ذلك منهم انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما وهو في منقطع الترك مما يلي مشرق الشمس ، فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساسا حتى إذا بلغ الماء جعل عرضه خمسين فرسخا ، وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه ، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس ، فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد ، فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عائدا إلى جماعة الإنس والجن ، انتهى كلام الحوفي . وعن علي رضي اللّه عنه قال : وصنف منهم في طول شبر لهم مخالب وأنياب كالسباع ، وتداعي الحمام وتسافد البهائم وعواء الذئب ، وشعور تقيهم الحر والبرد ، وآذان عظام إحداهما وبرة يشتّون فيها ، والأخرى جلدة يصيّفون فيها . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : الأرض ستة أجزاء فخمسة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء فيه سائر الخلق . وقال كعب الأحبار : احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك . قال علماؤنا : وهذا فيه نظر لأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه لا يحتلمون . وقال الضحاك : هم من الترك . وقال مقاتل : هم من ولد يافث بن نوح ، وهذا أشبه كما تقدم ، واللّه أعلم . وقرأ عاصم « يأجوج ومأجوج » بالهمزة فيهما ، وكذلك في الأنبياء على أنهما مشتقان من أجة الحر وهي شدته وتوقده ، ومنه أجيج النار ، ومن قولهم ملح أجاج ، فيكونان عربيين من أج وميج ، ولم يصرفا لأنهما جعلا اسمين فهما مؤنثتان معرفتان ، والباقون بغير همز جعلوهما لقبيلتين أعجميتين ، ولم يصرف للعجمة والتعريف . * * *